آخر الأخبار

غزوة الحديبية وأثرها في انتشار الدعوة الإسلامية

إرسال إلى صديق طباعة PDF

غزوة الحديبية

وأثرها في انتشار الدعوة الإسلامية

بحث تمهيدي لنيل درجة الماجستير

بسم الله الرحمن الرحيم

m

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ...

فإن المتأمل في سيرة النبي r وما جرى فيها من أحداث ومجريات يجد حقبة مليئة بالعبر والفوائد، سواءٌ المتعلقة بالفقه، أم بالتربية، أم بالتزكية والأخلاق، أم بالتعامل مع الأعداء والمخالفين في الدين والعقيدة. وكلما أمعن الإنسان النظر في سيرة النبي r ازداد حبّاً للنبي r أولاً، وذلك لكمال أخلاقه وسمو آدابه خصاله، واستفاد أموراً عظيمة ثانياً، وخرج بفوائد جليلة، فما من حدثٍ إلا وفيه من العبر والفوائد ما لا تعجز عن الإحاطة به العقول والأذهان.

وإن من المواقف العظيمة التي مرت في حياة النبي r، والتي كان لها أثر كبير في مسيرة الدعوة إلى الله تعالى، فاستحقت أن يُنزل الله فيها قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة: غزوة الحديبية. تلك الغزوة العظيمة التي سماها الله تعالى فتحاً مبيناً، كما في قوله تعالى: ­}إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً{ [الفتح:1].

قال أنس بن مالك t: لما نزلت }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ{ إلى قوله }فَوْزاً عَظِيماً{ مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال r:  «لقد أنزلت على آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً»[1].

وقد كانت بحقٍّ فتحاً عظيماً على الإسلام والمسلمين، وذلك لما ترتب عليها من انتشار دعوة الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجاً.

ولما كانت غزوة الحديبية قد حوت عبراً عظيمة وفوائد كثيرة، اخترت أن تكون هي موضوع بحثي هذا، مع أنها تستلزم أن يُكتب فيها بحوث تلو بحوث لالتماس العبر والفوائد، ولكن حسبي أن أشير إلى بعضها، ومن أهمها: أثرها في انتشار الإسلام.

وقد التزمت أن لا أذكر في سياق أحداثها إلا ما صحَّ منها؛ وذلك بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.

كما أني ذكرت نبذة مختصرة من سيرة النبي r وما جرى من أحداث منذ بعثته وإلى وقت الحديبية.

أسأل الله تعالى أن أكون قد نجحت في إلقاء الضوء على هذا الجانب من سيرة الحبيب المصطفى r، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

M

 

إلمامة سريعة في سيرة النبي r

منذ بدء البعثة إلى غزوة الحديبية

 

كان العرب قبل بعثة النبي r يعيشون فترة انقطاع من الرسل، إذ لم يبعث الله تبارك وتعالى بعد عيسى r رسولاً، حتى بُعث النبي r، وكان العرب قد انتشر فيهم الشرك وعبادة الأصنام، حتى أتى الوقت الذي اختاره الله تعالى لبعثة نبيه وخليله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي r.

وقد أرى الله تعالى العرب آيات في النبي r قبل وبعد ولادته دالةً على أنه سيكون له شأن عظيم، وقد كان ذلك وهو النبوة والرسالة.

وقد حمى الله تعالى نبيه r قبل بعثته مما تلوث به قومه من الشرك بالله تعالى وعبادة الأصنام، فحبب الله إليه الخلوة، فكان يخلو في غار حراء[2] يتعبد لله تعالى من غير شريعة. ولما بلغ النبي r أربعين سنة، و كمل في قوته وعقله، أوحى الله تعالى إليه، فأتاه جبريل عليه السلام في غار حراء وأوحى إليه صدر سورة «إقرأ»، ثم تتابع الوحي عليه، وأمره الله تعالى بدعوة الناس إلى التوحيد، فأنزل الله تعالى إليه قوله: }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{1} قُمْ فَأَنذِرْ{2} وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{3} وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{4} وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ{5} وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ{6} وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ{7}{ [المدثر:1-7].

فبدأ النبي r دعوته مستجيباً لأمر ربه تعالى، وبدأ بدعوته سراً، فاستجاب له السابقون الأولون كأبي بكر وعلي وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، واستمرت هذه الفترة ما يقرب من ثلاثة سنين، ثم أُمر بالجهر بالدعوة، فلاقى صدوداً عظيماً من صناديد قريش وكبرائها، وكان أكثر من آمن به واستجاب لدعوته ضعفة الناس.

وقد استخدم النبي r جميع وسائل الترغيب والترهيب في دعوته، فكان يطوف على كفار قريش ويغشاهم في منتدياتهم يدعوهم إلى الإسلام، ويطوف على القبائل في موسم الحج. فما كان من قريش إلا أن صدوا دعوته، وبدأوا بمحاربة الدعوة، ثم أخذوا يُعذبون من دخل في الإسلام من ضعفة المسلمين، حتى قتلوا بعضهم.

فلما بلغ الكرب بالمسلمين مبلغاً عظيماً، أمرهم النبي r بالهجرة إلى مكان يأمنون فيه على دينهم، ويعبدون ربهم، وكان هذا هو الحبشة، فهاجر من استطاع أن يهاجر إلى الحبشة، وبقي من لم يستطع، ثم أمرهم بعد ذلك بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى.

وفي ظل هذا التضييق على المسلمين، ظهرت بوادر الفرج، وذلك باستجابة أهل يثرب لدعوة النبي r، فبايعوا النبي r على أن يؤووه ومن آمن معه في بلادهم، حتى صارت يثرب مدينة الإسلام والمسلمين، فأمر النبي r المسلمين بالهجرة إليها بعد أن توطدت فيها الدعوة، واستجاب له أكثر أهلها، فهاجر المسلمون زرافات ووحداناً، وكان النبي r آخر من هاجر إليها. وكانت فترة بقاء النبي r في مكة ثلاث عشرة سنة.

أصبحت المدينة بعد ذلك دار الإسلام التي انطلقت منها الدعوة إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وصار المسلم يعبد ربه تعالى مطمئناً آمناً على نفسه، فبدأ الإسلام يعلو ويظهر، وبدأت الشرائع والأحكام تنزل على النبي r.

أخذ النبي r بعد ذلك يُرسل السرايا والبعوث لقتال من تسول له نفسه غزو المسلمين، كما أنه حاول أن يقطع طريق القوافل على كفار قريش، ويسترجع بعض ما نهبه المشركون من أموال المسلمين.

ولما صار بالمسلمين قوة، قدر الله تعالى أن يلتقي المسلمون بمن عارضهم من كفار قريش في أول لقاء جمع بين الإسلام والكفر، وهي معركة بدر الكبرى، فمنح الله تعالى المسلمين أكتاف المشركين يقتلون ويأسرون، فأعز الله جنده، وازداد المسلمون قوة ومنعة. وكانت هذه الوقعة في السنة الثانية من الهجرة.

ثم التقى المسلمون بعدها في معركة أحد، والتي هُزم فيها المسلمون، اختباراً من الله تعالى لهم، وتمحيصاً. وكان ذلك في السنة الثالثة من الهجرة.

وكان النبي r يبعث الجيوش والسرايا ويخرج في بعضها للدعوة إلى الإسلام، وقتال المشركين الصادين عن دعوته. كما أن المشركين من كفار قريش كانوا لا يزالون يصدون عن سبيل الله تعالى، ويحرضون المشركين من العرب، واليهود الذي كانوا معاهدين للنبي r في المدينة، إلى أن نجحوا في حشد عدد كبير منهم لحرب النبي r وأصحابه وغزو المدينة لاستئصال الإسلام، فكانت غزوة الخندق، حيث اجتمع على المسلمين أكثر من عشرة آلاف من كفار قريش ومن وافقهم من مشركي العرب، ومن تواطأ معهم من يهود بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع النبي r، فتوجَّه جمعهم إلى المدينة، ونمت أخبار إلى النبي r بما عزمت عليه قريش وحلفاؤها، فبدأ يعدّ العدّة لملاقاة المشركين، ثم حفر الخندق من الجهة المكشوفة للمدينة بنصيحة من سلمان الفارسي t. وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة. وقد لطف الله تعالى بالمسلمين وفرَّق جمع المشركين بما أرسل عليهم من الريح، وبما قذف في قلوبهم من الرعب، وبما فرق به كلمتهم، حتى عادوا إلى أدراجهم خائبين. وكانت هذه الغزوة هي آخر حملة يشنها المشركون على المدينة، إذ لم يستطيعوا غزو المسلمين بعدها.

ولما دخلت السنة السادسة من الهجرة، عزم النبي r على التوجه إلى مكة لأداء العمرة بعد رؤيا رآها في منامه أنه قد دخل مكة مع أصحابه محرماً مؤدياً العمرة، فبشَّر النبي r أصحابه بها، ففرحوا فرحاً عظيماً، ثم خرج بأصحابه فكانت قصة الحديبية.

 

الفصل الأوَّل

سياق غزوة الحديبية

كانت غزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة بإجماع العلماء.

قال النووي[3]: (وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ستٍّ من الهجرة في ذي القعدة)[4].

ففي يوم الإثنين الأوَّل من ذي القعدة سنة ستٍّ للهجرة النبوية، خرج الرسول r من المدينة متوجهاً إلى مكة لأداء العمرة.

قال البراء[5] t: (اعتمر النبي r في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحاً إلا في القرب)[6].

وقال العيني[7]: (وكان خروجه r يوم الإثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف)[8].

واستنفر النبي r العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا ، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب[9].

فخرج النبي r عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كان بذي الحليفة[10] قلَّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة[11]، وقال جابر بن عبد الله t: (كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة)[12].

وكان النبي r يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة[13]. وبعث عيناًً له من خزاعة، وسار النبي r حتى إذا كان بغدير الأشطاط[14] أتاه عينه، قال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، ومانعوك. فقال: «أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عيناً من المشركين، وإلا تركناهم محروبين» . قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت، لا تريد قتل أحدٍ، ولا حرب أحدٍ، فتوجَّه له، فمن صدَّنا عنه قاتلناه. قال r: «امضوا على اسم الله».[15]

وقال النبي r: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة».

ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة قال فسلك بالجيش تلك الطريق[16].

وقال النبي r: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين.

فما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش[17]، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي r حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي r: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» . ثم قال: «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».

ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد[18] قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضاً[19]، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله r العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله مازال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه[20].

وقد حاولت قريش التحرش بالنبي r، فمن ذلك أن ثمانين رجلاً من أهل مكة حاولوا أن يهبطوا على رسول الله r من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة[21] النبي r، فأخذهم سلماً، فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل: }وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ {[الفتح:24].[22]

فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله r من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل[23]، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله r: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمُّوا،وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفذَنَّ الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي r.[24]

وأراد رسول الله r أن يبطل تلك الدعاوى التي وجهتها قريش ضده، وهي: أنه اعتدى عليها في عقر دارها وفي الحرم، ويكسب تلك القبائل أو على الأقل يخفف من حدتها وحماسها ضده، فأرسل من قِبَله رسلاً ليبلغوا قريشاً: أنه لم يأت لقتالهم، وإنما جاء زائراً للبيت ومعظماً لحرمته، فبعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش، حتى أتى رسول الله r، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني؛ عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله r، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائراً لهذا البيت، معظماً لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وردف خلفه وأجاره، حتى بلغ رسالة رسول الله r، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله r ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله r، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله r والمسلمين أن عثمان قد قتل[25]. فقال رسول الله r: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، فدعا رسول الله r الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة[26].

قال جابر بن عبد الله t: (كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه وعمرُ آخذٌ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وبايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت) [27]. وقال لنا رسول الله r يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض»، وكنَّا ألفاً وأربعمائة) [28].

ثم لما تبيَّن عدم صحة الخبر، وعلم المشركون أن النبي  r لم يأت لقتال وإنما جاء يريد زيارة البيت، بعث مشركوا قريش له الرسل ليُثنوه عن زيارة البيت، ويصالحوه على ذلك، فقام عروة بن مسعود فقال لقريش: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلَّحوا[29] علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي r، فقال النبي r نحواً من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟، فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي r، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي r ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي r، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله r. فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر، ألست أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي r: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي r بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله r نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له.

فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملِكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد r محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي r وأصحابه قال رسول الله r: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له». فبعثت له، واستقبله الناس يلبُّون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت هدياً قد قُلِّدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت.

فقام رجل منهم يقال له مكرز ابن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي r: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر». فجعل يكلم النبي r، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي r: «لقد سَهَّل لكم من أمركم»[30].

وقال r: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل».

فلما انتهى إلى رسول الله r، تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب[31]، فقال t: فأتيت نبي الله r، فقلت: ألست نبي الله حقاً؟. قال: «بلى». قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟. قال: «بلى». قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟. قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري». قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟. قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام». قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به». قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟. قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله r، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق؟. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به. قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً.[32]

ودعا رسول الله r علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله r: «اكتب».[33]

فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي r الكاتب، فقال النبي r: «بسم الله الرحمن الرحيم».

قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي r: «اكتب باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله».

فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي r: «والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله».

فقال له النبي r: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به».

فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.

قال المسلمون: سبحان الله! كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً. [34]

وجاء في الكتاب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله r من أصحابه بغير أذن وَلِيَه ردَّه عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله r لم يردّوه عليه، وإن بيننا عَيْبةً مكفوفةً، وإنه لا إسلال، ولا أغلال[35].

وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن مع عقد رسول الله r وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وأنك ترجع عنّا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثاً، معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب.[36]

وقد كان أصحاب رسول الله r خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله r، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمَّل رسول الله r على نفسه، دخل الناس من ذلك أمرٌ عظيمٌ حتى كادوا أن يهلكوا.[37]

فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي r: «إنا لم نقض الكتاب بعد». قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. فقال النبي r: «فأجزه لي». قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل». قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أُرد إلى المشركين، وقد جئت مسلماُ، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله.[38]

فزاد الناس شراً إلى ما بهم، فقال رسول الله r: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله عز وجل جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهداً، وإنّا لن نغدر بهم».

فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل، فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. وجعل يدني قائم السيف منه، قال عمر t:رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال: فضنَّ الرجل بأبيه ونفذت القضية.

فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله r لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل غماً.

ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ{ حتى بلغ  }ِعِصَمِ الْكَوَافِرِ{. فطلق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية.[39]

 

الفصل الثَّاني

بعض الأحداث التي وقعت في الحديبية وبعدها

 

وقعت في الحديبية أحداث مهمة، ترتب عليها العلم بفوائد جمة، منها:

 

1- الحكم بكفر من نسب المطر إلى الأنواء

 

عن زيد بن خالد الجهني[40] t قال: «صلى لنا رسول الله r صلاة الصبح بالحديبية - على أثر سماء كانت من الليلة - فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب»[41].

قال الشافعي[42]: (رسول الله r بأبي هو وأمي هو عربي واسع اللسان، يُحتمل قوله - والله أعلم - أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك إيمان بالله، لأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله عز وجل، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفرٌ كما قال رسول الله r؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ولا يُمطر، ولا يصنع شيئاً، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا، على معنى مطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله: مطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفراً، وغيره من الكلام أحب إلي منه.

قال الشافعي: أحب أن يقول: مطرنا في وقت كذا، وقد رُوي عن عمر t أنه قال يوم الجمعة وهو على المنبر: كم بقي من نوء الثريا؟ فقام العباس فقال: لم يبق منه شيء إلا العواء، فدعا ودعا الناس حتى نزل عن المنبر، فمطر مطراً حيي الناس منه. وقول عمر هذا يبين ما وصفت؛ لأنه إنما أراد: كم بقي من وقت الثريا؟ ليعرفهم بأن الله عز وجل قدَّر الأمطار في أوقات فيما جربوا، كما علموا أنه قدَّر الحر والبرد بما جربوا في أوقات)[43].

وهذا يدل على تحريم نسبة المطر إلى النجوم، وأنه يجب أن تُنسب هذه النعمة إلى مُسديها، والمتصرف فيها، وهو الله تعالى.

 

2- إهداء النبي r جملاً لأبي جهل إغاظةً للمشركين

 

عن ابن عباس t: «أن رسول الله r أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله r جملاً كان لأبي جهل في رأسه برة فضة، يغيظ بذلك المشركين»[44].

قال شمس الحق العظيم آبادي[45] في قوله «يغيظ بذلك المشركين»: (أي: يوصل الغيظ إلى قلوبهم في نحر ذلك الجمل. قلت: خاتمة جمله أجمل منه، فإنها نُحرت في سبيل الله، وأَكل منها رسوله وأولياؤه، ثم نظير الحديث قوله تعالى: }لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ{)[46].

وهذا يدل على مشروعية إغاظة الكافرين المحاربين للمسلمين، لأنه يساهم في إضعاف معنوياتهم.

 

3- تنازل قريش عن بعض ما اشترطوه على النبي r

 

بعد أن تمَّ الصلح ورجع النبي r بأصحابه إلى المدينة، قيَّض الله تعالى أمراً جعل قريش يطلبون من النبي r أن لا يردَّ من جاءه منهم مسلماً، خلافاً لما كانوا قد اشترطوا عليه، وذلك فيما رواه البخاري قال: (رجع النبي r إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجلٌ من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جرَّبت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله r حين رآه: «لقد رأى هذا ذعراً». فلما انتهى إلى النبي r قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول.

فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم.

قال النبي r: «ويل أمه، مُسعِّر حرب، لو كان له أحد»، وفي رواية: «لو كان معه رجال».

فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، خرج ومعه خمسة كانوا قدموا من مكة، ولم ترسل قريش في طلبهم كما أرسلوا في أبي بصير، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عير قريش مما يلي سيف البحر.

وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي r تناشده بالله والرحم لما أرسل: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي r إليهم)[47].

 

4- عمرة القضية

 

في السنة التي تلت غزوة الحديبية خرج رسول الله r وأصحابه في ذي القعدة في الشهر الذي صدَّه فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء، مكان عمرته التي صدوه عنها.

فقدم رسول الله r وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمّى يثرب. فقال المشركون: إنه يقدُم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمّى، ولقوا منها شدةً، فجلسوا مما يلي الحِجْر، وأمرهم النبي r أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم! هؤلاء أجلد من كذا وكذا، قال ابن عباس t: ولم يمنع أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم[48]، وستر الصحابة رضي الله عنهم النبي r من غلمان المشركين ومن المشركين أن يؤذوا رسول الله r.[49]

فلما مضى الأجل، أتى المشركون علياً، فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل. فخرج النبي r.[50]

 

 

الفصل الثَّالث

آثار صلح الحديبية وبعض الحكم المستفادة منه

1- اتهام العقل أمام النصوص النبوية

 

كان وقع صلح  الحديبية على المسلمين شديداً، إذ أنهم صُدّوا عن البيت، فأصابهم من الهم والغم أمرٌ عظيم، ثم كانت موافقة النبي r للشروط التي اشترطها المشركون بمثابة الصاعقة التي أنهكت قواهم، إذ أن ظاهرها يدل على قبول الخضوع والذل للمشركين، ثم جاء ردُّ النبي r أبا جندل الذي استطاع الفرار من تعذيب المشركين فزاد الأمر عليهم شدة، ولحقهم من الأسى أمرٌ عظيم، حتى أوشك أن تزل أقدام بعض فضلائهم، إلا أن الله سلّم.

فقد قال عمر t: (أيها الناس، اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني أردّ أمر رسول الله r برأيي اجتهاداً، فوالله ما آلو عن الحق، وذلك يوم أبي جندل)[51].

وكان سهل بن حنيف t يقول: (اتهموا الرأي، فلقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردَّ على رسول الله r أمره لرددت)[52].

ولقد ظلَّ عمر بن الخطاب t - برهة من الزمن - متخوفاً أن يُنزل الله به عقاباً للذي صنع يوم الحديبية، فكان يتحدث عن قصته تلك ويقول: (فما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً)[53].

قال الشيخ محمد الغزالي[54] موجِّهاً بعض أفعال الصحابة في ذلك الصلح: (والنظرة الأولى لهذه الشروط تدل على أنها مجحفة بحقوق المسلمين، مرضية لكبرياء قريش وحميتها الجاهلية، وقد تساءل أصحاب رسول الله r مستنكرين:

لماذا يردون إلى قريش من جاء منهم مسلماً، ولا تردُّ قريش من جاءها من المسلمين مرتداً؟.

وفسَّر رسول الله r هذا الشرط بأن من ذهب إليهم كافراً فلا رده الله وقد وُقي المسلمون خبثه. أما المستضعفون من المسلمين فستعيى قريش بأمرهم، كما عجزت عن سابقيهم، وستكون العقبى لهم.

ألم يكن النبي r ومن معه مستضعفين؟ ثم نصرهم الله، وخذل قريشاً أمامهم؟!.

ثم هاجت نفوس المسلمين مرة أخرى خيبة الأمل، لقد حُدِّثوا أنهم داخلون في المسجد الحرام، وها هم أولاء قد ارتدوا عنه، لكنّ رسول الله r بيَّن لهم أنهم عائدون إلى دخوله كما وُعدوا، فهو لم يذكر لهم أنهم سيطوفون به هذا العام.

وعرا المسلمين وجوم ثقيل لهذه النهاية الكئيبة، وزاغت نظراتهم لما ركبهم من الحرج المفاجئ، فلما فرغ رسول الله r من قضية الكتاب، قال لهم: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» - ليتحللوا من عمرتهم، ويعودوا إلى المدينة – فلم يقُم منهم رجل! حتى قالها ثلاث مرات! فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.

فلما رأى المسلمون ما صنع النبي r زاح عنهم الذهول، وأحسوا خطر المعصية لأمره، فقاموا – عجلين- ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغمِّ)[55].

وقال البوطي[56]: (ومن الحكم الجليلة أيضاً: أن الله جل جلاله أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحاً بين وحي النبوة وتدبير الفكر البشري، بين توفيق النبي المرسل  وتصرف العبقري المفكر، بين الإلهام الإلهي الذي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها والإنسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها، أراد الله عز وجل  أن ينصر نبيه محمداً r أمام بصيرة كل متأمل عاقل، ولعل هذا من بعض تفسير قوله تعالى: }وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً{ [الفتح:3]، أي: نصراً فريداً فى بابه، من شأنه أن ينبه الأفكار السادرة و العقول الغافلة. فمن هنا أعطى المشركين كل ما سألوه من الشروط، وتساهل معهم فى أمور لم يجد أحد من الصحابة ما يسوغ التساهل فيها، ولقد رأيت كيف استبد الضيق والقلق بعمر بن الخطاب t، حتى أنه قال عن نفسه فيما بعد - فيما رواه أحمد وغيره[57] -: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذى تكلمت به يومئذ، ولقد رأيت كيف ساد الوجوم القوم حينما أمرهم الرسول r بالحلق و النحر، ليعودوا الى المدينة، رغم أنه كرر عليهم ثلاث مرات الأمر، لقد كان السر فى ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم إنما كانوا يتأملون فى تصرفات النبي r، وهم يقفون على أرض من البشرية العادية، فلا يتبصرونها إلا بمقدار، ولا يفهمون منها إلا ما تفهمه عقولهم البشرية القائمة على الخبرات  المحسوسة، على حين كان النبي r واقفاً من تصرفاته هذه فوق مستوى البشرية وخبراتها وأسبابها، كانت النبوة المطلقة هي التي توجهه وتلهمه وتوحي إليه، وكان تنفيذ الأمر الإلهي هو  وحده الماثل أمام عينيه.

يتضح لك  هذا من جوابه r لعمر بن الخطاب حينما أقبل إليه سائلاً ومتعجباً r، بل وربما مستنكراً، فقد قال له: «إنِّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري».         ويتضح لك هذا أيضاً من وصيته r لعثمان حينما أرسله الى مكة ليكلم قريشاً فيما جاء له النبي r، فقد أمره أيضاً أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان.

فلا غرو أن يُدهش المسلمون لموقف رسول الله r الذى تمخض  عن المفاهيم البشرية ومقاييسها فى تلك الآونة. ولكن سرعان ما انتهت الدهشة وزال الغم واتضح المبهم، حينما تلى رسول الله r عليهم سورة الفتح، التي تنزلت عليه عقب الفراغ من أمر الصلح، وتجلى للصحابة رضي الله عنهم أن احتمالهم لتلك الشروط كان عين النصر لهم، وأن المشركين ذلوا من حيث تأملوا العز، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والغلبة،  وظهر من وراء ذلك كله النصر العظيم لرسوله و المؤمنين،  دون أن يكون في ذلك أي إقتراح للعقول و الأفكار.

فهل فى أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد r أبلغ من هذا الدليل وأظهر؟.

ولقد تضايق المسلمون بادىء الأمر من موافقة النبي r على الشرط الذي أملاه سهيل ابن عمرو: من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرده عليه، وازداد ضيقهم لما أقبل أبو جندل (ابن سهيل بن عمرو) فاراً من المشركين يرسف فى الحديد، فقام إليه أبوه آخذاً بتلابيبه وهو يقول: يا محمد، لقد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فجعل ينتره ويجره ليرده إلى قريش، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد  الى المشركين يفتنوني فى ديني؟. فقال رسول الله r: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا أعطينا القوم عهوداً، وإنا لا نغدر بهم.

ولقد أخذ الصحابة ينظرون الى هذا الأمر، وقد داخلهم من ذلك همٌّ عظيم، ولكن، فما الذي تم بعد ذلك؟ لقد جاء الى النبي r بعد ذهابه  الى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش اسمه: أبو بصير، فأرسلوا في طلبه رجلين من المشركين ليستردوه، فسلمه الرسول r إليهما، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله، ففرّ الآخر،  ثم عاد أبو بصير الى رسول الله r، فقال له: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم، ثم خرج عنه حتى أتى سيف البحر، وتفلت أبو جندل، فلحق به هناك، وأصبح ذلك المكان  مثابة للمسلمين من أهل مكة، فلا يخرج من قريش رجل أسلم إلا لحق بأبي بصير وإخوانه، فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت الى الشام إلا إعترضوا لها، فقتلوا المشركين وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش الى رسول الله r تناشده الله والرحم  أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه فجاؤوا الى المدينة .

ولما كان فتح مكة، كان أبو جندل هذا هو الذي استأمن لأبيه وعاش t حتى استشهد فى وقعة اليمامة.

وهكذا صحا أصحاب النبى r من همّهم ذاك على مزيد من الإيمان والحكمة الإلهية ونبوة محمد r، روى فى الصحيح أن سهل ابن سعد t قال يوم صفين: أيها الناس اتهموا رأيكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله r لرددته!.

ومرة أخرى نكرر القول: هل فى أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد r أبلغ من هذا الدليل و أظهر؟)[58].

 

2- انتشار الإسلام وذيوعه وذلِّ الكفر وأهله

لقد أنزل الله تبارك وتعالى سورة الفتح بعد قفولهم من الحديبية يبشرهم فيها ببشارة عظيمة ما كانت لهم في الحسبان، بعد أن نالهم من الهم والغم أمرٌ عظيمٌ بسبب صدِّ قريش لهم عن الحرم، إذ أنّ السورة تبيّن أن ما وقع من الصلح، وإن ظنوه خسارةً، فإنه في حقيقته فتحٌ عظيمٌ. وهذا من لطف الله تعالى الذي يوصل الخير إلى العبد من حيث لا يحتسب.

فعن أسلم[59]: أن رسول الله r كان يسير في بعض أسفاره، وعمر ابن الخطاب يسير معه ليلاً، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء، فلم يجبه رسول الله r، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر، نزرت رسول الله r ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل فيَّ قرآن، وجئت رسول الله r، فسلمت عليه، فقال: «لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة، لهي أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس». ثم قرأ }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً{[60].

وقال أنس بن مالك[61] t: لما نزلت }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ{ إلى قوله }فَوْزاً عَظِيماً{ مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال r:  «لقد أنزلت عليَّ آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً»[62]

وعن مجمع بن جارية الأنصاري[63] t قال: (شهدنا الحديبية مع رسول الله r، فلما انصرفنا عنها، إذا الناس يهزون الأباعر،  فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟. قالوا: أوحي إلى النبي r، فخرجنا مع الناس نوجف[64]، فوجدنا النبي r واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس، قرأ عليهم }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً{، فقال رجل: يارسول الله أفتح هو؟. قال: «نعم، والذي نفس محمد بيده إنه لفتحٌ». فقُسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله r على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً).[65]

و عن البراء t قال: (تعدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نَعدُّ الفتحَ: بيعة الرضوان يوم الحديبية)[66].

وعن عروة[67] قال: (قالوا: وأقبل رسول الله r من الحديبية راجعاً، قال رجال من أصحاب رسول الله r: ما هذا بفتح، لقد صُددنا عن البيت وصُد هديُنا، وعكف رسول الله r بالحديبية، وردَّ رسول الله r رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله r قول رجال من أصحابه: إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله r: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عز وجل عليهم، وردَّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟». قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله عز وجل وبالأمور منا، وأنزل الله عز وجل سورة الفتح: }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا{ إلى قوله: }صِرَاطاً مُسْتَقِيماً{.)[68]

فهذا الصلح كان باباً عظيماً من أبواب الدعوة إلى الله تعالى، انتشر به الإسلام انتشاراً كبيراً، حتى بلغ من دخل في الإسلام من الكفار ما بينه وبين فتح مكة أضعاف من دخلوه قبل ذلك.

فقد قال الزهري[69]: (فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك).

وعقب عليه ابن هشام بقوله: (والدليل على قول الزهري: أن رسول الله r خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف)[70].

قال ابن قيِّم الجوزيَّة: (فصل فى الإشارة إلى بعض الحكم التى تضمنتها هذه الهدنة: وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذى أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.

فمنها: أنها كانت مقدمة بين يدى الفتح الأعظم الذى أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به فى دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهدنة باباً له ومفتاحاً ومؤذناً بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه فى الأمور العظام التي يقضيها قدراً وشرعاً، أن يُوطِّئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات، تؤذن بها، وتدل عليها.

ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفياً بالإسلام، ودخل فيه فى مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله }فَتْحًا مُّبِينًا{. قال ابن قتيبة[71]: قضينا لك قضاءً عظيماً، وقال مجاهد[72]: هو ما قضى الله له بالحديبية.

وحقيقة الأمر: أن الفتح فى اللغة فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مغلقاً حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله r وأصحابه عن البيت، وكان فى الصورة الظاهرة ضيماً وهضماً للمسلمين، وفى الباطن عزاً وفتحاً ونصراً، وكان رسول الله r ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم، والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط، التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو r يعلم ما فى ضمن هذا المكروه من محبوب: }وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ{ [البقرة:216].

وربما كان مكروه النفوس إلى                            محبوبها سبباً ما مثله سبب

فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلُّوا من حيث طلبوا العز، وقُهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسول الله r وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله، واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدور، وانعكس الأمر، وانقلب العز بالباطل ذلاً بحق، وانقلبت الكسرة لله عزاً بالله، وظهرت حكمة الله وآياته، وتصديق وعده، ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءه).[73]

وقال ابن كثير[74]: (فقوله: }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا{ أي: بيِّناً ظاهراً، والمراد به صلح الحديبية فإنه حصل بسببه خيرٌ جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان)[75].

وقال السَّعدي[76]: (لما أَمِن الناس بعضهم بعضاً، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله عز وجل، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار، يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجاً، فلذلك سماه الله فتحاً، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، وهذا حصل بذلك الفتح)[77].

وقال محمد الغزالي: (لقد انفرط عقد الكفار في الجزيرة منذ تمَّ هذا العقد، فإن قريشاً كانت تُعتبر رأس الكفر، وحاملة لواء التمرد والتحدي للدين الجديد، وعندما شاع نبأ تعاهدها مع المسلمين خمدت فتن المنافقين الذي يعملون لها، وتبعثرت القبائل الوثنية في أنحاء الجزيرة؛ وخصوصاً لأن قريشاً جمدت على سياستها النفعية واهتمت بشؤونها التجارية، فلم تجتهد في ضمِّ أحلاف لها، في الوقت الذي اتسع فيه نشاط المسلمين الثقافي والسياسي والعسكري، ونجحت دعايتهم في تأليف قبائل غفيرة، وإدخالها في الإسلام)[78].

وهذا يُبرز لنا أهمية الأمن في انتشار الدعوة، وأن انتشار الخوف والترقب وكثرة المنازعة تُضعف الدعوة إلى الإسلام، وتُحدُّ من انتشاره، مما يجعل تحقيق الأمن من أولويات الدعوة، فإن الناس إذا أمنوا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، تفرغ الذهن، وانقطعت الشواغل الصارفة عن البحث عن الحقيقة، فساهم ذلك في قبول الإسلام، والاستعداد لسماع تعاليمه وأحكامه، مما يُرغِّب المنصف في اتباعه.

 

خاتمة

 

نستخلص من البحث ما يلي:

(1) أن صلح الحديبية كان فتحاً عظيماً، على خلاف ما يدل ظاهره من الخضوع لشروط المشركين.

(2) أنه قد تجلت فيه عظمة الله تعالى في تقدير الخير للمسلمين من حيث لا يشعرون.

(3) أنه يدل على حنكة النبي r، وعِظم درايته وتعظيمه لحرمات الله تعالى.

(4) أن الخير كله في اتباع أمر النبي r، ولو لم تظهر للعبد الحكمة منه.

(5) أن صلح الحديبية ساهم في انتشار الإسلام، وذيوعه بين العرب لمّا أمِنَ الناس، وهذا يدل على أهمية الأمن في انتشار الدعوة الإسلامية، وأنه من مقاصد الشريعة العظمى.

(6) أن صلح الحديبية كان نهاية قريش، إذ به ذلّ أمرهم، وعظُم أمر النبي r وأصحابه، وهذه عاقبة كل عدو للحق، معاند له.

(7) تحريم نسبة المطر إلى النجوم والأنواء، وأن ذلك كفرٌ إن اعتقد أنها المتصرفة في نزوله.

(8) مشروعية إغاظة الكافرين المحاربين للمسلمين.

 

قائمة المصادر والمراجع

 

[باب الباء]

- البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي (256هـ/870م)، الجامع الصحيح المختصر «صحيح البخاري»، ت: د. مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، ط3، 1407/1987، [1-6].

- البوطي، محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، القاهرة، دار السلام، ط6، 1419/1999، [1].

- البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر (458هـ/1066م)، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، ت: عبد المعطي قلعجي، القاهرة، دار الريان، ط1، 1408/1988، [1-7].

[باب الحاء]

- ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (852هـ/1448م)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ت:محب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، د.ت، [1-14].

- ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (852هـ،1448م)، الإصابة في تمييز الصحابة، ت: علي محمد البجاوي، بيروت، دار الجيل، ط1، 1412، [1-8].

- ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (852هـ،1448م)، تقريب التهذيب، ت: محمد عوامة، سوريا، دار الرشيد، ط1، 1406/1986، [1].

- الحموي، ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله (626هـ،1229م)، معجم البلدان، بيروت، دار الفكر، د.ت، [1-5].

- ابن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (241هـ/855م)، المسند، القاهرة، مؤسسة قرطبة، ط1، [1-6].

[باب الدال]

- أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (275هـ/889م)، السنن، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الفكر، ط2، د.ت، [1-4].

[باب الذال]

- الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي أبو عبد الله (748هـ،819م)، سير أعلام النبلاء، ت: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط9، 1413/1992، [1-23].

- الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي أبو عبد الله (748هـ،819م، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، ت: محمد عوامة، جدة، دار القبلة للثقافة الإسلامية , مؤسسة علو، ط1، 1413/1992، [1-2].

[باب الراء]

- الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (721هـ،1321م)، مختار الصحاح، ت: محمود خاطر، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1415/1995، [1].

[باب السين]

- السُّبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السُّبكي (771هـ/1371م)، طبقات الشافعية الكبرى، ت: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، طبعة فيصل بابي الحلبي، دت، [1-10].

- السَّعدي، عبد الرحمن بن ناصر السعدي (1376هـ/1956م)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام  المنان، ت: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420/2000، [1].

- السِّندي، أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي السندي (1138هـ،1726م)، حاشية مسند الإمام أحمد، ت: نو الدين طالب، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، بيروت، دار النوادر، ط1، 1428/2008، [1-17].

[باب الشين]

- الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي (204هـ/819م)، الأم، بيروت، دار المعرفة، ط2، 1393/1973، [1-8].

- الشوكاني، محمد بن علي الشوكاني اليمني (1250هـ/1834م)، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ت: خليل المنصور، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1418/1998، [1-2]

[باب الطاء]

- الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني (360هـ/971م)، المعجم الكبير، ت:حمدي بن عبدالمجيد السلفي، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، ط2، 1404/1983، [1-20].

[باب العين]

- العظيم آبادي، محمد شمس الحق العظيم آبادي (1329هـ/1911م)، عون المعبود بشرح سنن أبي داود، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1415/1995، [1-14].

- العيني، بدر الدين محمود بن أحمد العيني (855هـ/1451م)، عمدة القاري بشرح صحيح البخاري،بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.، [1-25].

[باب الغين]

- الغزالي، محمد الغزالي أحمد السقا (1416هـ/1995م)، فقه السيرة، ت: محمد ناصر الدين الألباني، دمشق، دار القلم، ط1، 1427/2006، [1].

[باب القاف]

- ابن قيِّم الجوزيَّة، شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية (751هـ/1350م)، زاد المعاد في هدي خير العباد، ت: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط15، 1407 /1987، [1-5].

[باب الكاف]

- ابن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء (774هـ/1372م)، تفسير القرآن العظيم، بيروت، دار الفكر، ط1، 1401/1981، [1-4]، 4/184.

[باب الميم]

- المرعشلي، الدكتور يوسف المرعشلي، ، نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر، بيروت، دار المعرفة، ط1، 1427/2006، [1-2].

- مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري (261هـ/875م)، صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، [1-5].

[باب النون]

- النووي، محيي الدين يحيى بن شرف (676هـ/1090م)، المجموع شرح المهذب، ت: محمد نجيب المطيعي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1415/1995، [1-23].

[باب الهاء]

- ابن هشام، عبد الملك بن هشام الحميري أبو محمد (218هـ/833م)، سيرة ابن هشام، القاهرة، مطبعة الحلبي وأولاده، ط2، 1375/1955، 3/308.

 

 

 



([1]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3939)، ومسلم في صحيحه برقم (1786).

([2]) حراء بالكسر والتخفيف والمد جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال وهو معروف، وكان فيه غار يُشرف على الكعبة، وهو المعروف بـ «غار حراء».[الحموي، معجم البلدان، 2/233]

([3]) هو الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي أبو زكريا، أحد أعلام الشافعية ومحققيها، وصاحب المؤلفات البديعة، منها: «المجموع شرح المهذب» و«روضة الطالبين» و«رياض الصالحين» (ت 676هـ). [السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 8/395]

([4]) النووي، المجموع شرح المهذب، 7/78.

([5]) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي صحابي بن صحابي نزل الكوفة استصغر يوم بدر وكان هو وابن عمر لدة مات سنة اثنتين وسبعين. [ابن حجر، تقريب التهذيب، رقم 648]

([6]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1747).

([7]) بدر الدين محمود بن أحمد العيني، من أعيان الحنفية المتأخرين، وتصانيفه كثيرة جداً، وانتفع به الناس وأخذ عنه الطلبة من كل مذهب، وله حظ عند الملوك، ومن تصانيفه شرح البخاري في أحد وعشرين مجلداً أسماه «عمدة القارئ»، ت 855هـ. [الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، 2/158]

([8]) العيني، عمدة القاري، (14/6).

([9]) ابن هشام، سيرة ابن هشام، 3/308.

([10]) الحُلَيْفة بالتصغير أيضاً، والفاء ذو الحليفة، قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة وهو من مياه جشم بينهم وبين بني خفاجة من عقيل. [الحموي، معجم البلدان، 2/296].

([11]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3944).

([12]) المصدر نفسه برقم (4560). وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (1856).

([13]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([14]) أشطاط بالفتح، والطاءان مهملان، يجوز أن يكون جمع شط وهو البعد، أو جمع الشطط وهو الجور ومجاوزة القدر، وغدير الأشطاط قريب من عسفان قال عبيد الله بن قيس: الرقيات .[الحموي، معجم البلدان، 1/198]

([15])أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3944).

([16]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([17]) قَتَرة الجيش: -بفتحتين أوله قاف-؛ أي: غبارهم. [السندي، حاشية مسند الإمام أحمد، 11/205].

([18]) ثَمَد: -بفتح المثلثة والميم- أي: حفيرة فيها ماء مثمود، أي: قليل. [ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 5/336]

([19]) يتبرّضه الناس: -بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة- هو الأخذ قليلاً قليلاً، والبرض: -بالفتح والسكون- اليسير من العطاء، وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. [ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 5/337]

([20]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([21]) الغِرَّة: الغفلة، والغار: -بالتشديد- الغافل، تقول منه: اغتر الرجل، واغتر بالشيء: خُدع به. [الرازي، مختار الصحاح، ص97].

([22]) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1808).

([23]) العُوذ: -بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة- جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه،  أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار. [ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 5/338]

([24]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([25]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([26]) ابن هشام، سيرة ابن هشام، 3/315.

([27]) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1856).

([28]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3923).

([29]) بلَّحوا: -بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم مهملة مضمومة- أي: امتنعوا، والتبلح: التمنع من الإجابة، وبلَّح الغريم: إذا امتنع من أداء ما عليه. [ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 5/339]

([30]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([31]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([32]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([33]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([34]) أخرجه البخاري في صحيحه (2581).

([35]) «عَيْبة»: -بفتح المهملة وسكون تحتية- ما يُجعل فيه أفضل الثياب، ومن الرجل: موضع سره، و«مكفوفة»: مشدودة ممنوعة عما لا يوافق الصلح، والمعنى: على أن بيننا قلوباً صافية كفت عما لا يوافق الصلح، و«لا إسلال»: الغارة الظاهرة، و«لا إغلال»: أي : الخيانة؛ أي: على ألَّا يأخذ بعضاً مال بعض، لا في السِّر، ولا في العلانية. [السِّندي، حاشية مسند الإمام أحمد، 11/210]

([36]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([37]) المصدر نفسه برقم (18930).

([38]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([39]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([40]) زيد بن خالد الجهني صحابي جليل، مختلف في كنيته، كان معه لواء جهينة يوم الفتح، مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة وله خمس وثمانون. [ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، 2/603]

([41]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (810)، ومسلم في صحيحه برقم (71).

([42]) محمد بن إدريس الإمام عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي الغزي المولد، نسيب رسول الله  rوابن عمه، فالمطلب هو اأو هاشم والد عبد المطلب، أحد الأئمة الأربعة الأعلام، صاحب التصانيف الماتعة، والتقاسيم البديعة، توفي سنة 204هـ. [الذهبي، سير أعلام النبلاء، 10/5]

([43]) الشافعي، الأم، 1/252.

([44]) أخرجه أبو داود في سننه برقم (1749).

([45]) أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، أحد أعيان أهل الحديث في الهند، وله تصانيف كثيرة، من أشهرها «عون المعبود على سنن أبي داود»، توفي 1329هـ. [المرعشلي، نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر، 2/1232]

([46]) شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود، 5/118.

([47]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2581).

([48]) المصدر نفسه برقم (1525)، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (1266).

([49]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (4008).

([50]) المصدر نفسه برقم (2552).

([51]) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير برقم (82).

([52]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3953).

([53]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (18930).

([54]) محمد الغزالي أحمد السقا، أحد أعيان الفقهاء في مصر، وله كتب متنوعة منها «تراثنا الفكري في ميزان الشرع» و«الدعوة الإسلامية»، لقَّبه حسن البنا بـ«أديب الدعوة»، توفي سنة 1416هـ. [موقع الغزالي في الشبكة العنكبوتية]

([55]) محمد الغزالي، فقه السيرة، ص335-336.

([56]) محمد سعيد رمضان البوطي، ولد سنة 1929، وحصل على الشهادة العالمية من جامعة الأزهر، وله ما لا يقل عن أربعين مؤلفاً في فنون شتى، ويرأس قسم العقائد والأديان في كلية الشريعة في جامعة دمشق. [موقع البوطي في الشبكة العنكبوتية]

([57]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18930).

([58]) البوطي، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، ص234-236.

([59]) أسلم العدوي، مولى عمر، ثقة مخضرم، مات سنة ثمانين، وقيل بعد سنة ستين، وهو بن أربع عشرة ومائة سنة. [ابن حجر، تقريب التهذيب، رقم 406]

([60]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3943).

([61]) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله r، خدمه عشر سنين، مشهور، مات سنة اثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة. [ابن حجر، تقريب التهذيب، رقم 565]

([62]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3943). ومسلم في صحيحه برقم (1786).

([63]) مجمع بن جارية الأنصاري، صحابي جليل، أحد من جمع القرآن إلا يسيراً،  قال الشعبي: كان بقي عليه سورتان حين قبض النبي r. [الذهبي، الكاشف، رقم 5295]

([64]) أي: نسرع ونركض. [العظيم آبادي، عون المعبود، 7/290]

([65]) أخرجه أبو داود في سننه برقم (2736).

([66]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3919).

([67]) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان t. [ابن حجر، تقريب التهذيب، رقم 4561]

([68]) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة» 4/160.

([69]) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. [ابن حجر، تقريب التهذيب، رقم 6296]

([70]) ابن هشام، سيرة ابن هشام، 3/322.

([71]) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الكاتب، العلامة الكبير ذو الفنون صاحب التصانيف، ومن تصانيفه «مشكل القرآن» و«تأويل مختلف الحديث» و«غريب الحديث»، توفي سنة 276هـ. [الذهبي، سير أعلام النبلاء، 13/296]

([72]) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون. [ابن حجر، تقريب التهذيب، رقم6481]

([73]) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، 4/310.

([74]) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء، أحد أعيان الشافعية، عالم كبير، له مصنفات مشهورة، من أشهرها: «تفسير القرآن العظيم» المعروف بتفسير ابن كثير، توفي سنة 774هـ. [الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، 1/102]

([75]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/184.

([76]) عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السَّعدي التميمي،  مفسر من علماء الحنابلة من أهل نجد، صاحب التصانيف البديعة، من أشهرها «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»، توفي سنة 1376هـ. [المرعشلي، نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر، 1/693]

([77]) السَّعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام  المنان، ص792.

([78]) محمد الغزالي، فقه السيرة، ص336-337.

 
     
معارك حاسمة جرت في رمضان
أهمية الدعوة إلى التوحيد وبيان فضائله
التحذير من البدع المنتشرة عبر الرسائل النصية والالكترونية
التحذير من سماع الشائعات ونشرها
تحريم آلات العزف والغناء
وقفات مع مؤلِّفَي كتاب "أهل السنَّة الأشاعرة" حول مقالهما "ثلاثة أمثلة قصار على تطفيف ميزان فيصل قزار"
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،،     فقد كان الهدف الرئيس من تأليف كتاب «الأشاعرة ف ...
المزيد... »